فصل: خروج التتر وغلبهم على ما وراء النهر وفرار السلطان أمامهم من خراسان

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تاريخ ابن خلدون المسمى بـ «العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر» **


  استيلاء خوارزم شاه على ما وراء النهر وقتاله مع الخطا وأسره وخلاصه

قد تقدم لنا كيف تغلب الخطا على ما وراء النهر منذ هزموا سنجر بن ملك شاه وكانوا أمة بادية يسكنون الخيام التي يسمونها الخركاوات وهم على دين المجوسية كما كانوا‏.‏وكانوا موطنين بنواحي أوزكندة وبلاد ساغون وكاشغر وكان سلطان سمرقند وبخارى من ملوك الخانية الأقدمين عريقاً في الإسلام والبيت والملك ويلقب خان خاقان بمعنى سلطان السلاطين‏.‏وكان الخطا وضعوا الجزية على بلاد المسلمين فيما وراء النهر وكثر عيثهم وثقلت وطأتهم فأنف صاحب بخارى من تحكمهم وبعث إلى خوارزم شاه يستصرخه لمحاربتهم على أن يحمل إليه ما يحملونه للخطا وتكون له الخطبة والسكة‏.‏وبعث في ذلك وجوه بخارى وسمرقند فحلفوا له ووضعوا رهائنهم عنده فتجهز لذلك وولى أخاه علي شاه على طبرستان مع جرجان وولى على نيسايور الأمير كزلك خان من أخواله وأعيان دولته وندب معه عسكراً‏.‏وولى على قلعة زوزن أمين الدين أبا بكر وكان أصله حمالاً فارتفع وترقى في الرتب إلى ملك كرمان وولى على مدينة الجام الأمير جلدك وأقر على هراة الحسن بن حرميل وأنزل معه ألفاً من المقاتلة واستناب في مرو وسرخس وغيرهما‏.‏وصالح غياث الدين محموداً على ما بيده من بلاد الغور وكرمسين وجمع عساكر وسار إلى خوارزم فتجهز منها وعبر جيحون واجتمج بسلطان بخارى وسمرقند وزحف إليه الخطا فتواقعوا معه مرات وبقيت الحرب بينهم سجالاً‏.‏ثم انهزم المسلمون وأسر خوارزم شاه ورجعت العساكر إلى خوارزم معلولة وقد أرجف بموت السلطان‏.‏وكان كزلك خان نائب نيسابور محاصراً لهراة ومعه صاحب زوزن فرجعا إلى بلادهما وأصلح كزلك خان سور نيسابور واستكثر من الجند والأقوات وحدثته نفسه بالاستبداد وبلغ خبر الإرجاف إلى أخيه علي شاه بطبرستان فدعا لنفسه وقطع خطبة أخيه‏.‏وكان مع خوارزم شاه حين أسر أمير من أمرائه يعرف بابن مسعود فتحيل للسلطان بأن أظهر نفسه في صورته واتفقا على دعائه باسم السلطان وأوهما صاحبهما الذي أسرهما أن ابن مسعود هو السلطان وأن خوارزم شاه خديمه فأوجب ذلك الخطائي حقه وعظمه لاعتقاده أنه السلطان‏.‏وطلب منه بعد أيام أن يبعث ذلك الخديم لأهله وهو خوارزم شاه في الحقيقة ليعرف أهله بخبره ويأتيه بالمال فيدفعه إليه فأذن له الخطائي في ذلك وأطلقه بكتابه ولحق بخوارزم ودخل إليها في يوم مشهود‏.‏وعلم بما فعله أخوه علي شاه بطبرستان وكزلك خان ينيسابور وبلغهما خبر خلاصه فهرب كزلك خان إلى العراق ولحق علي شاه بغياث الدين محمود فأكرمه وأنزله‏.‏وسار خوارزم شاه إلى نيسابور فأصلح أمرها وولى عليها وسار إلى هراة فنزل عليها وعسكره محاصر دونها وذلك سنة أربع وستمائة والله أعلم‏.‏

  مقتل ابن حرميل ثم استيلاء خوارزم شاه على هراة

كان ابن حرميل قد تنكر لعسكر خوارزم شاه الذين كانوا عنده بهراة لسوء سيرتهم فلما عبر خوارزم شاه جيحون واشتغل بقتال الخطا قبض ابن حرميل على العسكر وحبسهم وبعث إلى خوارزم شاه يعتذر ويشكو من فعلهم فكتب إليه يستحسن فعله ويأمره بإنفاذ ذلك العسكر إليه ينتفع بهم في قتال الخطا وكتب إلى جلدك بن طغرل صاحب الجام أن يسير إليه بهراة ثقة بفعله وحسن سريرته‏.‏وأعلم ابن حرميل بذلك ودس إلى جلدك بالتحيل على ابن حرميل بكل وجه والقبض عليه فسار في ألفي مقاتل وكان يهوى ولاية هراة لأن أباه طغرل كان والياً بها لسنجر فلما قارب هراة أمر ابن حرميل الناس بالخروج لتلقيه وخرج هو في أثرهم بعد أن أشار عليه وزيره خواجا الصاحب فلم يقبل‏.‏فلما التقى جلدك وابن حرميل ترجلا عن فرسيهما للسلام وأحاط أصحاب جلدك بابن حرميل وقبضوا عليه وانهزم أصحابه إلى المدينة فأغلق الوزير خواجا الأبواب واستعد للحصار وأظهر دعوة غياث الدين محمود‏.‏وجاء جلدك فناداه من السور وتهدده بقتل ابن حرميل وجاء بابن حرميل حتى أمره بتسليم البلد لجلدك فأبى وأساء الرد عليه وعلى جلدك فقتل ابن حرميل وكتب إلى خوارزم شاه بالخبر فبعث خوارزم شاه إلى كزلك خان نائب نيسابور وإلى أمين الدين أبي بكر نائب زوزن بالمسير إلى جلدك وحصار هراة معه فسار لذلك في عشرة آلاف فارس‏.‏وحاصروها فامتنعت وكان خلال ذلك ما قدمناه من انهزام خوارزم شاه أمام الخطا وأسرهم إياه‏.‏ثم تخلص ولحق بخوارزم ثم جاء إلى نيسابور ولحق بالعساكر الذين يحاصرون هراة فأحسن إلى أمرائهم لصبرهم وبعث إلى الوزير خواجا في تسليم البلد لأنه كان يعد عسكره بذلك حين وصوله فامتنع وأساء الرد فشد خوارزم في حصاره‏.‏وضجر أهل المدينة وجهدهم الحصار وتحدثوا في الثورة فبعث جدة من الجند للقبض عليه فثاروا بالبلد وشعر جماعة العسكر من خارج بذلك فرجعوا إلى السور واقتحموه وملك البلد عنوة وجيء بالوزير أسيراً إلى خوارزم شاه فأمر بقتله فقتل وكان ذلك سنة خمس وستمائة وولى على هراة خاله أمير ملك وعاد

  استيلاء خوارزم شاه علي بيروز كوه وسائر بلاد خراسان

لما ملك خوارزم شاه هراة وولى عليها خاله أمير ملك وعاد إلى خوارزم بعث إلى أمير ملك يأمره بيروزكوه وكان بها غياث الدين محمود بن غياث الدين وقد لحق به أخوه علي شاه وأقام عنده فسار أمير ملك وبعث إليه محمود بطاعته ونزل إليه فقبض عليه أمير ملك وعلى علي شاه أخي خوارزم شاه وقتلهما جميعاً سنة خمس وستمائة‏.‏وصارت خراسان كلها لخوارزم شاه محمد بن تكش وانقرض أمر الغورية وكانت دولتهم من أعظم الدول وأحسنها والله تعالى ولي التوفيق‏.‏هزيمة الخطا ولما استقر أمر خراسان لخوارزم شاه واستنفر وعبر نهير جيحون وسار إليه الخطا وقد احتفلوا للقائه وملكهم يومئذ طانيكوه ابن مائة سنة ونحوها وكان مظفراً مجرباً بصيراً بالحرب‏.‏واجتمع خوارزم شاه وصاحب سمرقند وبخارى وتراجعوا سنة ست وستمائة ووقعت بينهم حروب لم يعهد مثلها‏.‏ثم انهزم الخطا وأخذ فيهم القتل كل مأخذ أسر ملكهم طانيكوه فأكرمه خوارزم شاه وأجلسه معه على سريره وبعث به إلى خوارزم وسار هو إلى ما وراء النهر وملكها مدينة إلى أوركند وأنزل نوابه فيها جماد إلى خوارزم ومعه صاحب سمرقند فأصهر إليه خوارزم شاه بأخته ورده إلى سمرقند وبعث معه شحنة يكون بسمرقند على ما كان أيام الخطا والله تعالى يؤيد بنصره من يشاء‏.‏

  انتفاض صاحب سمرقند

ولما عاد صاحب سمرقند إلى بلده أقام شحنة خوارزم شاه وعسكره معه نحواً من سنة‏.‏ثم استقبح سيرتهم وتنكر لهم وأمر أهل البلاد فثاروا بهم وقتلوهم في كل مذهب وهم بقتل زوجته أخت خوارزم شاه فغلقت الأبواب دونه واسترحمته فتركها وبعث إلى ملك الخطا بالطاعة‏.‏وبلغ الخبر إلى خوارزم شاه فامتعض وهم بقتل من في بلده من أهل سمرقند‏.‏ثم انثنى عن ذلك وأمر عساكره بالتوجه إلى ما وراء النهر فخرجوا أرسالا وهو في أثرهم وعبر بهم النهر ونزل على سمرقند وحاصرها ونصب عليها الآلات وملكها عنوة واستباحها ثلاثاً وقتل فيها نحواً من مائتي ألف واعتصم صاحبها بالقلعة‏.‏ثم حاصرها وملكها عنوة وقتل صاحبها صبراً في جماعة من أقرانه‏.‏ومحا آثار الخانية وأنزل في سائر البلاد وراء النهر نوابه وعاد إلى خوارزم والله تعالى ولي النصر بمنه وفضله‏.‏

  استلحام الخطا

قد تقدم لنا وصول طائفة من أمم الترك إلى بلاد تركستان وكاشغر وانتشارهم فيما وراء النهر واستخدموا للملوك الخانية أصحاب تركستان‏.‏وكان أرسلان خان محمد بن سليمان ينزلهم مسالح على الريف فيما بينه وبين الصين ولهم على ذلك الإقطاعات والجرايات‏.‏وكان يعاقبهم على ما يقع منهم من الفساد والعيث في البلاد ويوقع بهم ففروا من بلاده وابتغوا عنه فسيحاً من الأرض ونزلوا بلاد ساغون‏.‏ثم خرج كوخان ملك الترك الأعظم من الصين سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة فسارت إليه أمم الخطا ولقيهم الخان محمود بن محمد بن سليمان بن داود بقراخان وهو ابن أخت السلطان سنجر فهزموه وبعث بالصريخ إلى خاله سنجر فاستنفر ملوك خراسان وعساكر المسلمين وعبر جيحون للقائهم في صفر سنة ست وثلاثين ولقيه أمم الترك والخطا فهزموه وأثخنوا في المسلمين وأسرت زوجة السلطان سنجر‏.‏ثم أطلقها كوخان بعد ذلك وملك الترك بلاد ما وراء النهر‏.‏ثم مات كوخان ملكهم سنة سبع وثلاثين ووليت بعده ابنته وماتت قريباً وملكت من بعدها أمها زوجة كوخان وابنه محمد ثم انقرض ملكهم‏.‏واستولى الخطا على ما وراء النهر إلى أن غلبهم عليه خوارزم شاه علاء الدين محمد بن تكش كما قدمنا‏.‏وكانت قد خرجت قبل ذلك خارجة عظيمة من الترك يعرفون بالتتر ونزلوا في حدود الصين وراء تركستان وكان ملكهم كشلي خان ووقع بينه وبين الخطا من العداوة والحروب ما يقع بين الأمم المتجاورة فلما بلغهم ما فعله خوارزم شاه بالخطا أرادوا الانتقام منهم وزحف كشلي في أمم التتر إلى الخطا لينتهز الفرصة فيهم فبعث الخطا إلى خوارزم شاه يتلطفون له ويسألونه النصر من عدوهم قبل أن يستحكم أمرهم وتضيق عنه قدرته وقدرتهم‏.‏وبعث إليه كشلي يغريه بهم وأن يتركه وإياهم ويحلف له على مسالمة بلاده فسار خوارزم شاه يوهم كل واحد من الفريقين أنه له وأقام منتبذاً عنهما حتى تواقعوا‏.‏وانهزم الخطا فمال التتر عليهم واستلحموهم في كل وجه ولم ينج منهم إلا القليل فتحصنوا بين جبال في نواحي تركستان وقليل آخرون لحقوا بخوارزم شاه كانوا معه‏.‏وبعث خوارزم شاه إلى كشلي خان ملك التتر يعتد عليه بهزيمة الخطا وإنها إنما كانت بمظاهرته فأظهر له الاعتراف وشكره ثم نازعه في بلادهم وأملاكهم وسار لحربهم‏.‏ثم علم انه لا طاقة له بهم فمكث يراوغهم على اللقاء وكشلي خان يعذله في ذلك وهو يغالطه واستولى كشلي خان خلال ذلك على كاشغر وبلاد تركستان وساغون‏.‏ثم عمد خوارزم شاه إلى الشاش وفرغانة وإسحاق وكاشان وما حولها من المدن التي لم يكن في بلاد الله أنزه منها ولا أحسن عمارة فجلا أهلها إلى بلاد الإسلام وخرب جميعها خوفاً أن يملكها التتر ثم اختلف التتر بعد ذلك وخرج على كشلي طائفة أخرى منهم يعرفون بالمغل وملكهم جنكزخان فشغل كشلي خان بحربهم عن خوارزم شاه فعبر النهر إلى خراسان وترك خوارزم شاه إلى أن كان أمره ما نذكره والله تعالى أعلم‏.‏

  استيلاء خوارزم شاه على كرمان ومكران والسند

وقد تقدم لنا أنه كان من جملة أمراء خوارزم شاه تكش تاج الدين أبو بكر ‏"‏ ‏"‏ وأنه كان كرياً للدواب‏.‏ثم ترقت به الأحوال إلى أن صار سروان لتكش والسروان مقدم الجهاد‏.‏ثم تقدم عنده لجلده واستماتته وصار أميراً وولاه قلعة زوزن‏.‏ثم تقدم عند علاء الدين محمد بن تكش واختصه فأشار عليه بطلب بلاد كرمان لما كانت مجاورة لوطنه فبعث معه عسكراً وسار إلى كرمان سنة اثنتي عشرة وصاحبها يومئذ محمد بن حرب أبي الفضل الذي كان صاحب سجستان أيام السلطان سنجر فغلبه على بلاده وملكها‏.‏ثم سار إلى كرمان وملكها كلها إلى السند من نواحي كابل وسار إلى هرمز من مدن فارس بساحل البحر واسم صاحبها مكيك فأطاعه وخطب لخوارزم شاه وضمن مالا يحمله وخطب له بقلعات وبعض عمان من وراء النهر لأنهم كانوا يتقربون إلى صاحب هرمز بالطاعة وتسير سفنهم بالتجار إلى هرمز لأنه المرسى العظيم الذي تسافر إليه التجار من الهند والصين‏.‏وكان بين صاحب هرمز وصاحب كيش مغاورات وفتن وكل واحد منهما ينهى مراكب بلاده أن ترسي ببلاد الآخر‏.‏وكان استيلاء خوارزم شاه على غزنة وأعمالها ولما استولى خوارزم شاه محمد بن تكش على بلاد خراسان وملك باميان وغيرها وبعث تاج الدين ألمرز صاحب غزنة وقد تغلب عليها بعد ملوك الغورية‏.‏وقد تقدم في أخبار دولتهم فبعث إليه في الخطبة له وأشار عليه كبير دولته قطلغ تكين مولى شهاب الدين الغوري وسائر أصحابه بالإجابة إلى ذلك فخطب له ونقش السكة باسمه‏.‏وسار إلى قنصيراً وترك قطلغ تكين بغزنة نائباً عنه فبعث قطلغ تكين لخوارم شاه يستدعيه فأعد له السير وملك غزنة وقلعتها وقتل الغورية الذين وجدوا بها خصوصاً الأتراك‏.‏وبلغ الخبر المرز فهرب إلى أساون‏.‏ثم أحضر خوارزم شاه قطلغ ووبخه على قلة وفائه لصاحبه وصادره على ثلاثين حملا من أصناف الأموال والأمتعة وأربعمائة مملوك‏.‏ثم قتله وعاد إلى خوارزم وذلك سنة ثلاث عشرة وستمائة وقيل سنة اثنتي عشرة بعد أن استخلف عليها ابنه جلال الدين منكبرس والله أعلم بغيبه وأحكم‏.‏

  استيلاء خوارزم شاه على بلاد الجبل

كان خوارزم شاه محمد بن تكش قد ملك الرها وهمذان وبلاد الجبل كلها أعوام تسعين وخمسمائة من يد قطلغ أبنايخ بقية أمراء السلجوقية ونازعه فيها ابن القصاب وزير الخليفة الناصر فغلبه خوارزم شاه وقتله كما مر في أخباره‏.‏ثم شغل عنها تكش إلى أن توفي وذلك سنة سبع وتسعين وصار ملكه لابنه علاء الدين محمد بن تكش‏.‏وتغلب موالي البهلوان على بلاد الجبل واحداً بعد واحد ونصبوا أزبك بن مولاهم البهلوان‏.‏ثم انتقضوا عليه وخطبوا لخوارزم شاه وكان آخر من ولي منهم أغماش وأقام بها مدة يخطب لعلاء الدين محمد بن تكش خوارزم شاه‏.‏ثم وثب عليه بعض الباطنية وطمع أزبك بن محمد البهلوان بقية الدولة السلجوقية بأذربيجان وأران في الاستيلاء على أعمال أصفهان والري وهمذان وسائر بلاد الجبل‏.‏وطمع سعد بن زنكي صاحب فارس ويقال سعد بن دكلا في الاستيلاء عليها أيضاً كذلك‏.‏وسار في العساكر فملك أزبك أصفهان بممالأة أهلها وملك سعد الري وقزوين وسمنان‏.‏وطار الخبر إلى خوارزم شاه بأصفهان وسمرقند فسار في العساكر سنة أربع عشرة وستمائة في مائة ألف بعد أن جهز العساكر فيما وراء النهر وبثغور الترك وانتهى إلى قومس ففارق العساكر وسار متجرداً في اثني عشر ألفاً‏.‏فلما ظفرت مقدمته بأهل الري وسعد مخيم بظاهرها ركب للقتال يظن أنه السلطان‏.‏ثم تبين الآلة والمركب واستيقن أنه السلطان فولت عساكره منهزمة وحصل في أسر السلطان‏.‏وبلغ الخبر إلى أزبك بأصفهان فسار إلى همذان‏.‏ثم عدل عن الطريق في خواصه وركب الأوعار إلى أذربيجان وبعث وزيره أبا القاسم بن علي بالاعتذار فبعث إليه في الطاعة فأجابه وحمله الضريبة فاعتذر بقتال الكرج‏.‏وأما سعد صاحب فارس فبلغ الخبر بأسره إلى ابنه نصرة الدين أبي بكر فهاج بخلعان أبيه وأطلق السلطان سعداً على أن يعطيه قلعة اصطخر ويحمل إليه ثلث الخراج وزوجه بعض قرابته‏.‏وبعث معه من رجال الدولة من يقبض اصطخر‏.‏فلما وصل إلى شيراز ودخل على ابنه واستولى على ملكه وخطب لخوارزم شاه‏.‏واستولى خوارزم شاه على شاور وقزوين وجرجان وأبهر وهمذان وأصفهان وقم وقاشان وسائر بلاد الجبل‏.‏واستولى عليها كلها من أصحابها واختص الأمير طايين بهمذان وولى ابنه ركن الدولة ياورشاه عليهم جميعاً وجعل معه جمال الدين محمد بن سابق الشاوي وزيراً‏.‏طلب الخطبة وامتناع الخليفة منها ثم بعد ذلك بعث خوارزم شاه محمد بن تكش إلى بغداد يطلب الخطبة بها من الخليفة كما كانت لبني سلجوق وذلك سنة أربع عشر‏.‏وذلك لما رأى من استفحال أمر واتساع ملكه فامتنع الخليفة من ذلك وبعث في الاعتذار عنه الشيخ شهاب الدين السهروردي فأكبر السلطان مقدمه وقام لتلقيه‏.‏وأول ما بدأ به الكلام على حديث الخطبة ببغداد وجلس على ركبتيه لاستماعه‏.‏ثم تكلم وأطال وأجاد وعرض بالموعظة في معاملة النبي صلى الله عليه وسلم في بني العباس وغيرهم والتعرض لإذايتهم فقال السلطان حاشا لله من ذلك وأنا ما آذيت أحداً منهم وأمير المؤمنين كان أولى مني بموعظة الشيخ فقد بلغني أن في محبسه جماعة من بني العباس مخلدين يتناسلون فقال الشيخ الخليفة إذا حبس أحداً للإصلاح لا يعترض عليه فيه فما بويع إلا للنظر في المصالح‏.‏ثم ودعه السلطان ورجع إلى بغداد‏.‏وكان ذلك قبل أن يسير إلى العراق‏.‏فلما استولى على بلاد الجبل وفرغ من أمرها سار إلى بغداد وانتهى إلى عقبة سراباد وأصابه هنالك ثلج عظيم أهلك الحيوانات وعفن أيدي الرجال وأرجلهم حتى قطعوها ووصله هنالك شهاب الدين السهروردي ووعظه فندم ورجع عن قصده فدخل إلى خوارزم سنة خمس عشرة والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق‏.‏

  قسمة السلطان خوارزم شاه الملك بين ولده

ولما استكمل السلطان خوارزم شاه محمد بن تكش ملكه بالاستيلاء على الري وبلاد الجبل قسم أعمال ملكه بين ولده فجعل خوارزم وخراسان ومازندران لولي عهده قطب الدين أولاغ شاه وإنما كان ولي عهده دون ابنه الأكبر جلال الدين منكبرس لأن أم قطب الدين وأم السلطان وهي تركمان خاتون من قبيلة واحدة وهم فياروت من شعوب يمك إحدى بطون الخطا فكانت تركمان خاتون متحكمة في ابنها السلطان محمد بن تكش وجعل غزنة وباميان والغور وبست ومكسا مادومان من الهند لابنه جلال الدين منكبرس‏.‏وكرمان وكيش ومكرمان لابنه غياث الدين يترشاه‏.‏وبلاد الجبل لابنه ركن الدين غورشاه كما قدمناه‏.‏وأذن لهم في ضرب النوب الخمس له وهي دبادب صغار تقرع عقب الصلوات الخمس‏.‏واختص هو بنوبة سماها نوبة في القرنين سبع وعشرين دبدابة كانت مصنوعة من الذهب والفضة مرصعه بالجواهر‏.‏هكذا ذكر الوزير محمد بن أحمد النسوي المنشئ كاتب جلال الدين منكبرس في أخباره وأخبار أبيه علاء الدين محمد بن تكش وعلى كتابه اعتمدت دون غيره لأنه أعرف بأخبارهما‏.‏وكانت كرمان ومكرمان وكيش لمؤيد الملك قوام الدين‏.‏وهلك متصرف السلطان من العراق فأقطعها لابنه غياث الدين كما قلناه‏.‏وكان الملك هذا سوقة فأصبح ملكاً‏.‏وأصل خبره أن أمه كانت داية في دار نصرة الدين محمد بن أنز صاحب زوزن ونشأ في بيته واستخدمه وسفر عنه للسلطان فسعى به أنه من الباطنية‏.‏ثم رجع فخوفه من السلطان بذلك فانقطع نصرة الدين إلى الإسماعيلية وتحصن ببعض قلاع زوزن وكتب قوام الدين بذلك إلى السلطان فجعل إليه وزارة زوزن وولاية جبايتها‏.‏ولم يزل يخادع صاحبه نصرة الدين إلى أن رجع فتمكن من السلطان وسمله‏.‏تم طمع قوام الدين في ملك كرمان وكان بها أمير من بقية الملك دينار وأمده السلطان بعسكر من خراسان فملك كرمان وحسن موقع ذلك من السلطان فلقيه مؤيد الملك وجعلها في إقطاعه‏.‏ولما رجع السلطان من العراق وقد نفقت جماله بعث إليه بأربعة آلاف بختي ولوفي أثر ذلك فرد السلطان أعماله إلى ابنه غياث الدين كما قلناه وحمل من تركته إلى السلطان سبعون حملاً من الذهب خلا الأصناف‏.‏

  أخبار تركمان خاتون أم السلطان محمد بن تكش

كانت تركمان خاتون أم السلطان محمد بن تكش من قبيلة بياروت من شعوب الترك يمك من الخطا وهي بنت خان حبكش من ملوكهم تزوجها السلطان خوارزم شاه كش فولدت له السلطان محمداً‏.‏فلما ملك لحق بها طوائف يمك ومن جاورهم من لترك واستظهرت بهم وتحكمت في الدولة فلم يملك السلطان معها أمره‏.‏وكانت تولي في النواحي من جهتها كما يولي السلطان وتحكم بين الناس وتنصف من الظلامات وتقدم على الفتك والقتل وتقيم معاهد الخير والصدقة في البلاد وكان لها سبعة من الموقعين يكتبون عنها وإذا عارض توقيعها لتوقيع السلطان عمل بالمتأخر منهما‏.‏وكان لقبها خداوند جهان أي صاحبة العالم وتوقيعها في الكتاب عصمة الدنيا والدين أولاغ تركمان ملك نساء العالمين‏.‏وعلامتها اعتصمت بالله وحده تكتبها بقلم غليظ وتجود كتابتها أن تزور عليها واستوزرت للسلطان وزيره نظام الملك وكان مستخدماً لها فلما عزل السلطان وزيره أشارت عليه بوزارة نظام الملك هذا فوزر له على كره من السلطان وتحكم في الدولة بتحكمها‏.‏ثم تنكر له السلطان لأمور بلغته عنه وعزله فاستمر على وزارتها وكان شأنه في الدولة أكبر‏.‏وشكاه إليه بعض الولاة بنواحي خوارزم أنه صادرة فأمره بعض خواصه بقتله فمنعته تركمان من ذلك وبقي على حاله وعجز السلطان عن إنفاذ أمره فيه والله يؤيد بنصره من يشاء‏.‏

  خروج التتر وغلبهم على ما وراء النهر وفرار السلطان أمامهم من خراسان

ولما عاد السلطان من العراق سنة خمس عشرة كما قدمناه واستقر بنيسابور وفدت عليه رسل جنكزخان بهدية من المعدنين ونوافج المسك وحجر اليشم والثياب الطائية التي تنسج من وبر الإبل البيض ويخبر أنه ملك الصين وما يليها من بلاد الترك ويسأل الموادعة والأذن للتجار من الجانبين في التردد في متاجرهم وكان في خطابه إطراء السلطان بأنه مثل أعز أولاده فاستنكف السلطان من ذلك واستدعى محموداً الخوارزمي من الرسل واصطنعه ليكون عيناً له على جنكزخان واستخبره على ما قاله في كتابه من ملكه الصين واستيلائه على مدينة طوغاج فصدق ذلك وأنكر عليه الخطاب بالولد ، ^? وسأله عن مقدار العساكر فغشه وقللها وصرفهم السلطان بما طلبوه من الموادعة والإذن للتجار فوصل بعض التجار من بلادهم إلى إنزار وبها نيال خان بن خان السلطان في عشرين ألفاً من العساكر فشره إلى أموالهم وخاطب السلطان بأنهم عيون وليسوا بتجار فأمره بالاحتياط عليهم فقتلهم خفية وأخذ أموالهم‏.‏وفشا الخبر إلى جنكزخان فبعث بالنكير إلى السلطان في نقض العهد‏.‏وإن كان فعل نيال إفتياتاً فبعث إليه يتهدده على ذلك فقتل السلطان الرسل وبلغ الخبر إلى جنكزخان فسار في العساكر‏.‏واعتزم السلطان أن يحضن سمرقند بالأسوار فجبى لذلك خراج سنتين وجبى ثالثة استخدم بها الفرسان‏.‏وسار إلى أحياء جنكزخان فكبسهم وهو غائب عنها في محاربة كشلي خان فغنم ورجع وأتبعهم ابن جنكزخان فكانت بينهم واقعة عظيمة هلك فيها كثير من الفريقين‏.‏ولجأ خوارزم شاه إلى جيحون فأقام عليه ينتظر شأن التتر‏.‏ثم عاجله جنكزخان فأجفل وتركها وفرق عساكره في مدن ما وراء النهر إنزار وبخارى وسمرقند وترمذ وجند‏.‏وأنزل آبنايخ من كبراء أمرائه وحجاب دولته في بخارى‏.‏وجاء جنكزخان إلى إنزار فحاصرها وملكها غلابا وأسر أميرها نيال خان الذي قتل التجار وأذاب الفضة في أذنيه وعينيه‏.‏ثم حاصر بخارى وملكها على الأمان وقاتلوا معه القلعة حتى ملكوها‏.‏ثم غدر بهم وقتلهم وسلبهم وخربها ، ^? ورحل جنكزخان إلى سمرقند ففعلوا فيها مثل ذلك سنة تسع عشرة وستمائة‏.‏ثم كتب كتباً على لسان الأمراء قرابة أم السلطان يستدعون خنكزخان ويعدها بزيادة خراسان إلى خوارزم وبعث من يستخلفه على ذلك‏.‏وبعث الكتب مع من يتعرض بها السلطان فلما قرأها إرتاب بأمه وبقرابتها‏.‏إجفال السلطان خوارزم شاه إلى خراسان ثم إلى طبرستان ومهلكه ولما بلغ السلطان استيلاء جنكزخان على إنزار وبخارى وسمرقند وجاءه نائب بخارى ناجياً في الفل أجفل حينئذ وعبر جيحون‏.‏ورجع عنه طوائف الخطا الذين كانوا معه وعلاء الدين صاحب قيدر وتخاذل الناس وسرح جنكزخان العساكر في أثره نحواً من عشرين ألفاً يسميهم التتر المغربة لسيرهم نحو كرب خراسان فتوغلوا في البلاد وانتهوا إلى بلاد بيجور واكتسحوا كل ما مروا عليه‏.‏ووصل السلطان إلى نيسابور فلم يثبت بها ودخل إلى ناحية العراق بعد أن أودع أمواله‏.‏قال المنشئ في كتابه حدثني الأمير تاج الدين البسطامي قال لما انتهى خوارزم شاه في مسيره إلى العراق استحضرني وبين يديه عشرة صناديق مملوءة لآلئ لا تعرف قيمتها وقال في اثنين منها فيهما من الجواهر ما يساوي خراج الأرض بأسرها وأمرني بحملها إلى قلعة أردهن من أحصن قلاع الأرض وأخذت خط يد الموالي بوصولها ثم أخذها التتر بعد ذلك حين ملكوا العراق انتهى‏.‏ولما ارتحل خوارزم شاه من نيسابور قصد مازندران والتتر في أثره ثم انتهى إلى أعمال همذان فكبسوه هناك ونجا إلى بلاد الجبل وقتل وزيره عماد الملك محمد بن نظام الملك وأقام هو بساحل البحر بقرية عند الفريضة يصلي ويقرأ ويعاهد الله على حسن السيرة‏.‏ثم كبسه التتر أخرى فركب البحر وخاضوا في أثره فغلبهم الماء ورجعوا ووصلوا إلى جزيرة في بحر طبرستان فأقام بها وطرقه المرض فكان جماعة من أهل مازندران يمرضونه ويحمل إليه كثيراً من حاجته فيوقع لحاملها بالولايات والإقطاع وأمضى ابنه جلال الدين بعد ذلك جميعها‏.‏ثم هلك سنة سبع عشرة وستمائة ودفن بتلك الجزيرة لإحدى وعشرين سنة من ملكه بعد أن عهد لابنه جلال الدين منكبرس وخلع ابنه الأصغر قطب الدين أولاغ شاه‏.‏ولما بلغ خبر إجفاله إلى أمه تركمان خاتون بخوارزم خرجت هاربة بعد أن قتلت نحواً من عشرين من الملوك والأكابر المحبوسين هنالك ولحقت بقلعة إيلان من قلاع مازندران فلما رجع التتر المغربة عن السلطان خوارزم شاه بعد أن خاض بحر طبرستان إلى الجزيرة التي مات بها فقصدوا مازندران وملكوا قلاعها على ما فيها من الامتناع‏.‏ولقد كان فتحها تأخر إلى سنة تسعين أيام سليمان بن عبد الملك فملكوها واحدة واحدة وحاصروا تركمان خاتون في قلعة إيلان إلى أن ملكوا القلعة صلحاً وأسروها‏.‏وقال ابن الأثير أنهم لقوها في طريقها إلى مازندران فأحاطوا بها وأسروها ومن كان معها من بنات السلطان وتزوجهن التتر وتزوج دوش خان بن جنكزخان بإحداهن وبقيت تركمان خاتون أسيرة عندهن في خمول وذل‏.‏وكانت تحضر سماط جنكزخان كإحداهن وتحمل قوتها منه‏.‏وكان نظام الملك وزير السلطان مع أمه تركمان خاتون فحصل في قبضة جنكزخان وكان عندهم معظماً لما بلغهم من تنكر السلطان له‏.‏وكانوا يشاورونه في أمر الجباية فلما استولى دوش خان على خوارزم وجاء بحرم السلطان الذين كانوا بها وفيهن مغنيات فوهب إحداهن لبعض خدمه فمنعت نفسها منه ولجأت للوزير نظام الملك فشكاه ذلك الخادم لجنكزخان ورماه بالجارية فأحضره جنكزخان وعلا عليه خيانة استاذه وقتله‏.‏